محمد أبو زهرة
5101
زهرة التفاسير
الضمير في قوله : أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ يعود إلى مشركي مكة الذين كانوا يعاندون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو يعود إلى الكفار عامة من حيث إنه بيان لحال الكفار ، في أنهم إذا نزلت بهم جائحة أو شديدة خنعوا في وقت نزولها ، وما استكانوا لها وما تضرعوا لها وما تضرعوا بعدها وآمنوا . كان تفسير الزمخشري على أن موضوع القول ، هم كفار مكة نزلت بهم مجاعة ، كما جعل موضوع الآية السابقة والآية التالية أهل مكة ، وذكر أن ثمامة بن أثال الحنفي منع الميرة عن أهل مكة ، وقال : لا أعطيكم حبة حنطة إلا أن يأذن رسول اللّه ، فأخذهم اللّه تعالى بالسنين فجاء أبو سفيان إلى رسول اللّه في المدينة ، وقال له : أنشدك اللّه والرحم ، ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين . فقال محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بلى ، فقال : قتلت الآباء ، وجوعت الأبناء فنزلت هذه الآيات الثلاث « 1 » . وربما يكون هذا الكلام مستقيما لو كانت الآيات بعد غزوة بدر ، وبعد الغزوات كلها إلى الحديبية ، ولكن السورة كلها مكية ونسقها مكي ، فكيف تجىء آية بمعان مدنية لم تتحقق إلا في المدينة ، ولم يثبت أن هذه الآيات نزلت بالمدينة استثناء من السورة . ولذا نقول : إن الآيات الثلاث عامة في وصف غير الكفار في كفرهم من أنهم يخنعون عند الشدائد ، ويعودون إلى الاستكبار ، فيخنعون ، ثم يتمردون ، اقرأ قوله تعالى : فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ ( 133 ) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 134 ) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ ( 135 ) [ الأعراف ] . فاللّه جل علاه كان ينزل الشدائد على الكافرين ، فيذلون عند نزولها ، ولكن إذا انكشفت الغمة عادوا إلى كفرهم وطغيانهم ، كما رأينا في فرعون وملئه ، وقد ذكر سبحانه وتعالى أن ذلك شأن كل الكافرين يكشف اللّه تعالى عنهم الضر إذا أصيبوا به ، فيخنعون في وقته ، ثم يعودون إلى كفرهم بعد كشفه .
--> ( 1 ) ذكره بنحو من ذلك : الطبري في جامع البيان : 18 / 34 ، من رواية ابن حميد عن ابن عباس ، وراجع سيرة ابن هشام : أسر ثمامة بن أثال الحنفي وإسلامه .